محمد دياب الإتليدي

209

إعلام الناس بما وقع للبرامكة مع بني العباس ( نوادر الخلفاء )

فلما سمع الرجل الحديث قال : قد أمكنك الله من الوفاء له ومكافأته على فعله ومجازاته على صنعه بلا كلفة عليك ولا مؤنة تلزمك . فقلت : وكيف ذلك ؟ قال : أنا ذلك الرجل ، وإنما الضر الذي أنا فيه قد غير عليك حالي وما كنت تعرفه مني ، ثم لم يزل يذكر لي تفاصيل الأسباب حتى أثبت معرفته ، فما تمالكت أن قمت وقبلت رأسه ، ثم قلت له : فما الذي صيرك إلى ما أرى ؟ قال : هاجت بدمشق فتنة مثل الفتنة التي كانت في أيامك فنسبت إلي ، وبعث أمير المؤمنين بجيوش فضبطوا البلد فأخذت أنا وضربت إلى أن أشرفت على الموت ، وقيدت وبعث بي إلى أمير المؤمنين وأمري عنده عظيم ، وهو قاتلي لا محالة ، وقد أخرجت من عند أهلي بلا وصية ، وقد تبعني من ينصرف إليهم بخبري ، وهو نازل عند فلان ، فإن رأيت أن تجعل من مكافأتك لي أن ترسل من يحضره لي حتى أوصيه بما أريد ، فإن أنت فعلت ذلك فقد جاوزت حد المكافأة وقمت بوفاء عهدك . قال العباس : فقلت يصنع الله خيراً . ثم أحضر حداداً في الليل وفك قيوده ، وزال ما كان عليه من الإنكال ، وأدخله حمام داره ، وألبسه من الثياب ما احتاج إليه ، ثم سير من أحضر إليه غلامه ، فلما رآه جعل يبكي ويوصيه ، فاستدعى العباس نائبه وقال : علي بفرسي الفلاني والبغل الفلاني والبغلة الفلانية حتى عد عشرة ، ثم عشرة من الصناديق ، ومن الكسوة كذا وكذا . قال ذلك الرجل : وأحضر لي بدرة فيها عشرة آلاف درهم وكيساً فيه خمسة آلاف دينار ، وقال لعامله في الشرطة : خذ هذا الرجل وشيعه إلى حد الأنبار . فقال له : إن ذنبي عظيم عند أمير المؤمنين وخطبي جسيم ، وإن أنت احتجيت بأني هربت بعث أمير المؤمنين في طلبي كل من على بابه فأرادوا قتلي . فقال : انج بنفسك ودعني أدبر أمري . فقال : والله لا أبرح من بغداد حتى أعلم ما يكون من خبرك ، فإن احتجت إلى حضوري حضرت . فقال لصاحب الشرطة : إن كان الأمر على ما يكون ، فليكن في موضع كذا وكذا ، فإن أنا سلمت في غداة غدٍ أعلمته ، وإن أنا قتلت وقيته بنفسي كما وقاني بنفسه ، وأنشدك الله أن لا يذهب من ماله درهم ، وتجتهد في إخراجه من بغداد .